فخر الدين الرازي
449
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وذهب آخرون إلى أن أول العلم باللَّه هو العلم بكونه مؤثرا ، وعلى التقديرين فالعلم بكونه قادرا متقدم على العلم بكونه عالما . ثم قال تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه قد ثبت أن كل ما عدا الواجب الحق فهو ممكن ، وكل ممكن فوجوده من الواجب ، فإذن وصول الماهية الممكنة إلى وجودها بواسطة إفادة الواجب الحق ذلك الوجود لتلك الماهية فالحق سبحانه هو المتوسط بين كل ماهية وبين وجودها ، فهو إلى كل ماهية أقرب من وجود تلك الماهية ، ومن هذا السر قال المحققون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللَّه قبله ، وقال المتوسطون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللَّه معه ، وقال الظاهريون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللَّه بعده . واعلم أن هذه الدقائق التي أظهرناها في هذه المواضع لها درجتان إحداهما : أن يصل الإنسان إليها بمقتضى الفكرة والروية والتأمل والتدبر والدرجة الثانية : أن تتفق لنفس الإنسان / قوة ذوقية وحالة وجدانية لا يمكن التعبير عنها ، وتكون نسبة الإدراك مع الذوق إلى الإدراك لا مع الذوق ، كنسبة من يأكل السكر إلى من يصف حلاوته بلسانه . المسألة الثانية : قال المتكلمون : هذه المعية إما بالعلم وإما بالحفظ والحراسة ، وعلى التقديرين فقد انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ، فإذن قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ لا بد فيه من التأويل وإذا جوزنا التأويل في موضع وجب تجويزه في سائر المواضع . المسألة الثالثة : اعلم أن في هذه الآيات ترتيبا عجيبا ، وذلك لأنه بين بقوله : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ كونه إلها لجميع الممكنات والكائنات ، ثم بين كونه إلها للعرش والسماوات والأرضين . ثم بين بقوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ معينه لنا بسبب القدرة والإيجاد والتكوين وبسبب العلم وهو كونه عالما بظواهرنا وبواطننا ، فتأمل في كيفية هذا الترتيب ، ثم تأمل في ألفاظ هذه الآيات فإن فيها أسرارا عجيبة وتنبيهات على أمور عالية . ثم قال تعالى : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 5 ] لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 5 ) أي إلى حيث لا مالك سواه ، ودل بهذا القول على إثبات المعاد . ثم قال تعالى : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 6 ] يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 6 ) وهذه الآيات قد تقدم تفسيرها في سائر السور ، وهي جامعة بين الدلالة على قدرته ، وبين إظهار نعمه ، والمقصود من إعادتها البعث على النظر والتأمل ، ثم الاشتغال بالشكر . [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 7 ] آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 ) قوله تعالى : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواعا من الدلائل على التوحيد والعلم والقدرة ، أتبعها بالتكاليف ، وبدأ بالأمر بالإيمان باللَّه ورسوله ، فإن قيل قوله : آمِنُوا خطاب مع من عرف اللَّه ، أو